صديق الحسيني القنوجي البخاري

112

فتح البيان في مقاصد القرآن

معرفة وصداقة حقيقية ، وإلا فالمودة الظاهرة حاصلة بالفعل جملة معترضة ، وقيل إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، وقيل المعنى كأن لم نعاقدكم على الجهاد يا للتنبيه لا للنداء لدخولها على الحرف لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ أي في تلك الغزوة التي فيها المؤمنون فَأَفُوزَ معهم فَوْزاً عَظِيماً أفوز بالنصب على جواب التمني ، وقرأ الحسن بالرفع أي فآخذ نصيبا وافرا من الغنيمة . فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قدم الظرف على الفاعل للاهتمام به الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي يبيعونها بها وهم المؤمنون ، فالفاء جواب شرط قدر أي إن أبطأ وتأخر هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشرونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون ، والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم . وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه فَيُقْتَلْ أي فيستشهد أَوْ يَغْلِبْ يعني يظفر بعدوه من الكفار ، وذكر هذين الأمرين للإشارة إلى أن حق المجاهد أن يوطن نفسه على أحدهما ولا يخطر بباله القسم الثالث وهو مجرد أخذ المال فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ في كلتا الحالتين الشهادة أو الظفر أَجْراً عَظِيماً يعني ثوابا وافرا . وعد اللّه المقاتلين في سبيله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا يقادر قدره ، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور ، وأن غلب وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل اللّه مع ما قد ناله من العلو في الدنيا والغنيمة ، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما . وربما يقال إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم ، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا فإن كون الشيء عظيما هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو دونه ، وحقيرا بالنسبة إلى ما فوقه . وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تضمن اللّه لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة » « 1 » ، أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 75 إلى 76 ] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ( 75 ) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ( 76 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 26 ، ومسلم في الإمارة حديث 103 ، 104 .